علي محمد علي دخيل
791
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الأشجار مِمَّا يَشْتَهُونَ أي من جنس ما يشتهونه ، والشهوة : معنى في القلب إذا صادف المشتهى كان لذة ، وضدّها النفار . ثم يقال لهم كُلُوا وَاشْرَبُوا صورته صورة الأمر والمراد الإباحة وقيل : إنّه أمر على الحقيقة ، وهو سبحانه يريد منهم الأكل والشرب في الجنة ، فإنهم إذا أعلموا ذلك ازداد سرورهم فلا يكون إرادته لذلك عبثا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في دار الدنيا ، أي خالصا من التكدير والهنيء : النفع الخالص من شائب الأذى وقيل هو الذي لا أذى يتبعه إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ هذا ابتداء الإخبار من اللّه تعالى ، ويقال لهم ذلك أيضا وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بهذا الوعد . ثم عاد الكلام إلى ذكر المكذبين فقال سبحانه كُلُوا أي يقال لهم كلوا وَتَمَتَّعُوا في الدنيا قَلِيلًا أي تمتعا قليلا ، أو زمانا قليلا فإن الموت كائن لا محالة إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ أي مشركون مستحقون للعقاب وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بهذا الوعيد وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا أي صلّوا لا يَرْكَعُونَ أي لا يصلون قال مقاتل : نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول اللّه بالصلاة فقالوا : لا ننحني ، والرواية : لا ننحني فإن ذلك سبّة علينا فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلم : لا خير في دين ليس فيه ركوع وسجود وقيل : إن المراد بذلك يوم القيامة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون ، عن ابن عباس وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بوجوب الصلاة والعبادات فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ أي فبأي كتاب بعد القرآن يصدقون ولم يصدقوا به مع إعجازه وحسن نظمه ؟ ! فإن من لم يؤمن به مع ما فيه من الحجة الظاهرة ، والآية الباهرة لا يؤمن بغيره . سورة النبأ مكية وآياتها أربعون آية لما ختم اللّه سبحانه تلك السورة بذكر القيامة ، ووعيد المكذّبين بها ، افتتح هذه السورة بذكرها ، وذكر دلائل القدرة على البعث والإعادة فقال : 1 - 16 - عَمَّ يَتَساءَلُونَ قالوا : لما بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم وأخبرهم بتوحيد اللّه تعالى ، وبالبعث بعد الموت ، وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم ، أي يسأل بعضهم بعضا على طريق الإنكار والتعجب فيقولون : ما ذا جاء به محمد ، وما الذي أتى به ؟ فأنزل اللّه تعالى : عَمَّ يَتَساءَلُونَ ، أي عن أيّ شيء يتساءلون ؟ قال الزجاج : اللفظ لفظ الاستفهام والمراد تفخيم القصة كما تقول : أي شيء زيد ؟ إذا عظمت شأنه . ثم ذكر أن تساءلهم عن ما ذا فقال عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ وهو القرآن ومعناه : الخبر العظيم الشأن لأنه ينبئ عن التوحيد ، وتصديق الرسول ، وعن البعث والنشور وقيل : يعني نبأ يوم القيامة ، عن الضحاك وقتادة ، ويؤيده قوله : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً وقيل : النبأ العظيم ما كانوا يختلفون فيه من إثبات الصانع وصفاته ، والملائكة والرسل ، والبعث والجنة والنار ، والرسالة والخلافة الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ فمصدق به ومكذب كَلَّا أي ليس الأمر كما قالوا سَيَعْلَمُونَ عاقبة تكذيبهم حين تنكشف الأمور ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ هذا وعيد على أثر وعيد ، أي سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم ، وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم . ثم نبّههم سبحانه على وجه الاستدلال على صحة ذلك فقال أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً أي وطاء وقرارا مهيئا للتصرف فيه من غير أذية وَالْجِبالَ أَوْتاداً للأرض لئلا تميد بأهلها وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً معناه : ذكرانا وإناثا حتى يصح منكم التناسل ، ويتمتع بعضكم ببعض وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ